فخر الدين الرازي

228

تفسير الرازي

بأن لا تقبل هذه القراءة ، فوجب المصير إليه . الثاني : سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة ، والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية ، ومما يقوي ما ذكرناه ما روي أن ابن عباس قيل له بعد ذهاب بصره ما تقول فيمن يقول : لا قدر ، فقال إن كان في البيت أحد منهم أتيت عليه ويله أما يقرأ * ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) * ( القمر : 49 ) * ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ) * ( يس : 12 ) وقال ابن عباس : أول ما خلق الله القلم ، قال له اكتب القدر ، فجرى بما يكون إلى قيام الساعة ، وقال صلوات الله عليه : " المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة " . المسألة الثانية : زعم سيبويه أن عطف الظاهر على المضمر المرفوع في الفعل قبيح ، فلا يجوز أن يقال : قمت وزيد ، وذلك لأن المعطوف عليه أصل ، والمعطوف فرع ، والمضمر ضعيف ، والمظهر قوي ، وجعل القوي فرعاً للضعيف ، لا يجوز . إذا عرفت هذا الأصل فنقول : إن جاء الكلام في جانب الأثبات ، وجب تأكيد الضمير فنقول : قمت أنا وزيد ، وإن جاء في جانب النفي قلت ما قمت ولا زيد . إذا ثبت هذا فنقول قوله : * ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) * فعطف قوله : * ( ولا آباؤنا ) * على الضمير في قوله : * ( ما أشركنا ) * إلا أنه تخلل بينهما كلمة لا فلا جرم حسن هذا العطف . قال في جامع الأصفهاني : إن حرف العطف يجب أن يكون متأخراً عن اللفظة المؤكدة للضمير حتى يحسن العطف ويندفع المحذور المذكور من عطف القوي على الضعيف ، وهذا المقصود إنما يحصل إذا قلنا : * ( ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ) * حتى تكون كلمة * ( لا ) * مقدمة على حرف العطف . أما ههنا حرف العطف مقدم على كلمة * ( لا ) * وحينئذ يعود المحذور المذكور . فالجواب : أن كلمة * ( لا ) * لما أدخلت على قوله : * ( آباؤنا ) * كان ذلك موجباً إضمار فعل هناك ، لأن صرف النفي إلى ذوات الآباء محال ، بل يجب صرف هذا النفي إلى فعل يصدر منهم ، وذلك هو الإشراك ، فكان التقدير : ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا ، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا على قولهم الكل بمشيئة الله تعالى بقوله : * ( فلو شاء لهداكم أجمعين ) * فكلمة " لو " في اللغة تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فدل هذا على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم ، وما هداهم أيضاً . وتقريره بحسب الدليل العقلي ، أن قدرة الكافر على الكفر إن لم تكن قدرة على الإيمان . الله تعالى على هذا التقدير ما أقدره على الإيمان ، فلو شاء الأيمان منه ، فقد شاء الفعل